![]()
![]()
نعلم جميعا أن الإنسان اجتماعي بطبعه لا يمكنه أن يعيش منعزلا عن الناس فهو في حاجة إليهم و إلى التعامل معهم
بقدر ما يخدم مصالحهم و مصالحه و هذه المعاملات التي تشمل جميع المجالات نشأت منها عدة علاقات إنسانية خاصة
سواء بين طرفين أو عدة أطراف على شكل صداقات تتجاوز كل ما هو مصلحي لتشمل الجوانب الإنسانية من تعاون على
الخير و تكافل و مؤازرة .. و تتوطد في المسجد حيث تتجلى معانيها الإنسانية في أبهى صورها و أصدق تجلياتها أو بعامل
الجوار في السكن أو في محلات العمل و غيرها ..
و تبدأ مع الطفل منذ نعومة أظافره حيث يعي مفهوم الصداقة مع أقرانه من أبناء الأسرة و عند ولوجه المدرسة فيتعرف
على مجموعة من الأطفال و يختار منهم من يتلاءم مع نفسيته الصغيرة و يشاركه اللعب بطريقته و قد تستمر هذه
الصداقات إلى مراحل دراسية عليا يضاف إليها عند كل سنة أعدادا أخرى لتتسع معها دائرة المعارف أو تضيق لتقتصر
على شخص أو اثنين ليكملا معه مراحله الشبابية..
و لا يخفى على أحد مدى تأثير هذه العلاقات على نفسية الطفل و تصرفاته حيث تدفعه لتنشيط ذاكرته في المقارنة
بين وضعيته و وضعية أقرانه وتساعده في الانفتاح على محيطه فقد يصادف الفقير و اليتيم أو غير ذلك من الحالات
الاجتماعية التي يتعرف عليها لأول مرة..
و بذلك تصبح الصداقة مهمة في هذه المرحلة حيث يتدخل الآباء لحث أبنائهم على حسن اختيار أصدقائهم و ذلك
طبق مواصفات معينة و متعارف عليها، بحيث يكون طابعها الأساسي التعاون في الدراسة و التنافس علي الاجتهاد
من أجل الرقي إلى الأفضل في كل الأمور الدينية و الدنيوية عملا بقول الشاعر:
عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه ّّّّّّ فكـل قريـن بالمقـارن يقتـدي
و مع مرور الوقت نجد أن مفهوم الصداقة قد طرأ عليه تغييرا كبيرا و انتقل من مثالية مطلقة ترتبط بالأخلاق و الفضيلة
ليصبح ماديا صرفا حيث طغت المصلحة الذاتية على كل العلاقات دون احترام للصداقة الحقيقيية و بات البحث عن
الربح و الكسب بشتى الطرق على حساب الصداقة و الأخوة و من تم استغلال طيبة الصديق لتحقيق طموحات
شخصية و إرضاء نزوات مادية..
و هكذا نرى أن الحياة أصبحت غابة يأكل فيها القوي الضعيف حيث قلت نسبة المصداقية في المعاملات التي تربطنا
بغيرنا و أصبحت الصداقة سلعة يتاجر فيها و خاضعة بدورها للعرض و الطلب و يصبح الصديق عرضة للإهمال و الاستبدال
طالما هناك من يقددم خدمات أفضل و أصبح السؤال الآن هو :
ما هي مصالحي الشخصية من هذه العلاقة ؟؟؟
و مع اتساع مجال الفضاء السمعي البصري فضل الإنسان أن يتوارى عن الأنظار و يختلي بهذه الأجهزة يستقي منها
كل ما يريده من معرفة و تسلية إلى أن شغلته كليا عن معارفه و أصدقائه بل حتى عن عائلته يضاف إلى ذلك الأجهزة
المعلوماتية لتفتح أمامه مجالا آخرا للاتصال من بيته مع كل العالم فاستخدمها فـي كـل أموره مستغنيا عـن محيطه
و متقيا من ما قد يجلبه له من متاعب..
و مع مرور الوقت و تغير المفاهيم و خروج المرأة سواء للدراسة أو العمل أصبحنا نسمع عن أنواع جديدة للصداقة حيث
تعدى مفهومها النوع الواحد إلى نشوء صداقة بين الجنسين بحجة الدراسة و أشياء أخرى و لم يعد محرجا للأسرة
أن ترى ابنتها صحبة شاب أو يأتي للمنزل للبحث عنها ..
و رغم التحذيرات من هذا النوع من العلاقات إلا أنها لم تزد إلا استفحالا فالطفل يختار زميلته الصغيرة لتكون رفيقته
في لعبه و الشاب يختار زميلته في الفصل و هكذا أصبح للصداقة مفهوما غريبا تعدى كل التصورات..
زادت من خطورتها تقنيات الاتصال الجديدة لتعرف هذه العلاقات منحى آخر أكثر جرأة عند الشباب و الأدهى أنه لم
يعد مقبولا لديهم بقاء شباب دون صديقات و العكس لتسبح هذه العلاقات في فوضى عارمة دون رقيب أو حسيب..
فالآباء يصعب عليهم المتابعة كما أن التعب من جراء البحث عن مصادر الرزق قد يثقل كاهلهم و لا يترك لهم مجالا
للمراقبة و حتى إن أرادوا تقويم سلوكيات أبنائهم فلن يستطيعوا ذلك لعدم قدرتهم على السيطرة على الوضع
و لتصميم الأبناء على طريقة تصرفاتهم و تعنتهم في ذلك .. و هكذا تصبح العلاقة بين الأبناء و الآباء في تشنج دائم
و تصادم في الأفكار تنتج عنه هوة عميقة بين الأجيال ..
لا أحد ينكر أن الصداقة هي مهمة في حياة الإنسان و هناك نماذج طيبة و مشرفة نراها من حولنا و عايشتاها و لكن
يجب الحذر من انجرافها إلى مستويات بعيدة كل البعد عن القيم الأخلاقية التي تربينا عليها و المبادئ التي يأمرنا
بها ربنا سبحانه و تعالى حتى تحافظ على بيئتنا سليمة و مجتمعنا معافى من كل انحراف أو فساد ..
شروق
![]()





.





























