مشردون على النت أو مشردون.Net
لم يكن أحد قبل بضع سنوات يتخيل الوضع الذي ستأول إليه مقاهي الانترنت.
ما زلت أذكر اليوم الأول الذي اكتشفت فيه هذا العالم ،
ولم يكن يومئذ عدد المقاهي منتشر بالشكل الذي نراه اليوم ..
سيبير واحد في المدينة، و ثمن الساعة 12 درهم .
قليلون هم رواد هاته القاعة الزجاجية التي كان يُنْعَث دَاخلوها بذوي المستوى الضّارب في الوعي والثقافة..
في الواجهة يركن بعض الشباب و الفتيات الذين طُبِعت سمات الارهاق في وجوههم من أثر البحث و التحصيل الدراسي..
و في الجانب المحادي لمكتب صاحب المقهى يتصلب رجل تعليم أمام الشاشة يبحث عن أبسط الطرق للحصول على دروس جاهزة ليلقنها تلامذته صبيحة الغد أو مراجع يغني بها مستواه المعرفي..
وفي مكان منزو من القاعة تنقر امرأة أوروبية في الثلاثينات على أزرار لوحة المفاتيح ببراعة مدهشة ، بجانبها يجلس زوجها وطفليهماالشقراوين يحملقون نحو الشاشة منتظرين انتهاء الأم من إرسال الرسائل وقراءة محتوى علبة الواردات.
كان الهدوء الذي يخيم داخل السيبير Cyber رهيباً ! .. وكل شيئ يبعث على السكينة والوقار ، تبدو و كأنها قاعة خاصة جدّاً ولا مكان للعوام فيها .
وأكاد أجزم أنّ لا أحداً من ذوي الدخل المحدود يملك آنذاك خط هاتفي مزود بالنت ،لأن ثمن الفاتورة كان لا يتناسب مع مرتب الدخل الشهري .
ثم جاءت سنوات الانترنت متسارعات غزت فيها تكنلوجيا ADSL جل البيوت فكثرت مقاهي الانترنت وأصبح لها رواد كُثُر و من مختلف الشرائح الشعبية و المستويات الثقافية .
و اليوم أدخل نفس المقهى الذي دخلته أول مرة ، لم أعد أذكر إذا كان ما زال يملكه نفس الشخص ولكن المؤكد هو أن الحواسب قد تغيرت لأن الأولى
لم تعد تواكب التطور الحاصل في اصدارات الويندوز وسرعة الصبيب ، وأن الثمن حثماً قد انخفض بالتوازي مع انخفاض سعر ال ADSL ..
لكن ما شدني هاته المرة للتأمل والاستغراب هو الاكتظاظ الذي خُيِّل إلي و كأنني بقاعة مسرح أو سينيما ، و أغلب الحاضرين من المراهقين أصحاب القزعة و سلاسل العنق والخواثيم و سراويل الجين المرقع والحزام تحت الخاصرة وجهاز MP3 الذي يحجب عنهم الاستماع إلى ما يدور بدنيانا ، ولم يخلو المقهى من أطفال السابعة فما فوق ، وشباب العلاقات ما وراء البحار يصطنعون الرجولة من تحت حواجبهم التي لا تقوى على إخفاء فشلهم وتدمرهم ، والكل هنا يبحر في السراب داخل ضوضاء وضجيج المدردشين، أما الذين كانوا هنا منذ سنوات فلا أظن أنهم سيعودوا! لأن الجو هنا أصبح ملوثاً و الظاهرة لم تعد صحية بالمرة ..
و قد تبدو صحية عند هاته الفئة التائهة في عالم النت تبحث عن المجهول المألوف منذ مدة بين أزرار لوحة المفاتيح (الكايبورد) و عناوين http:// .
هاته الشريحة الجديدة من رواد السيبيرات تختلف بشكل لا تنفع معه المقارنة ، فهم يدقون على أزرار الكايبورد معبرين عن سخطهم
و تدمرهم أمام هذا الجهاز الغريب الذي لم يتلقوا توجيهاً ممنهجاً يؤهلهم لكيفية الغوص في أعماقه والاستفادة من صدفاته .. فيبقى هذا الشاب عاشقاً ثملاً لعلب الدردشة المقيتة ينتشي نخب الضياع و التشرد ..
أما فئة الأطفال فدندانهم الوحيد هو الوصول إلى مواقع اللعب التي لا يتعبون في البحث عنها لأن صاحب المقهى قد أعدَّ لها مختصرات سلفاً على
سطح مكتب الحواسب ..
السؤال المسكوت عنه :
ــ إداكانت عقارب الزمان تدور في اتجاه واحد تجر أعمارنا في نفس الاتجاه، فكيف نتصور شباب اليوم بعد 3O سنة ؟
ــ هل وزارات الثقافة ووزارات التعليم في العالم العربي تعي حجم الضرر الذي يصيب الأطفال المشردين على الشبكة العنكبوتية؟
ــ أين هي منظمات حقوق الطفل المتشرد في عالم افتراضي عبر مقاهي الانترنت دون حسيب ولا رقيب؟
ــ متى سيصدر قانون يقضي بمنع دخول الأطفال إلى السيبيرات إلا بصحبة ولي أمر؟
في انتظار ان يولي المسؤولون اهتمامهم بهذا الشأن نوجه إلى الاباء صرختنا لمراقبة اطفالهم وتوجيههم أثناء تواجدهم على شبكة الانترنت
و لشبابنا نقول أن في النت مشاريع عدوانية هادفة و أنت المستهدف .. و في البحر تسبح الأسماك ولا تأبه برفاة السفن الغارقة أو علب الأطعمة الفاسدة ...
![]()





.


























