
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يعتبر الفراغ هو الوقت الثالث أو الزائد عن كل مهامنا الأساسية
و الإعتيادية اليومية بما في ذلك الدراسة أو العمل ..
وهو ظاهرة يعاني منها أغلب الشباب و تهدد مستقبلهم لما
تسببه لهم من خوف و تردد وسوء تصرف فتؤدي بهم الحيرة
و الإضطراب إلى أمراض نفسية أقلها الإكتئاب ...
فالبعض منهم لا يحسن استغلال وقته ... و يعمل على إضاعته
في غير ما ينفعه بل ربما في ما يضره فتراه يقضي الساعات
الطوال في قراءة الصحف الرديئة و المجلات الهابطة و تتبع أخبار
الفنانين و فضائحهم و ملاحقة القنوات الفضائية و برامجها الهدامة
أو الشات أو التسكع عبرالشوارع و الطرقات أو التشرد على النت
بحجة تمرير الوقت و التمتع و التسلية و غيرها من المفردات المتداولة
في أوساط الشباب و هي كلها تبريرات خاطئة و طرق ضارة نتائجها
جد وخيمة ..
فلم يعد الشباب كما في السابق يهتم بالقراءة و البحث و الثقافة
و الرياضة و الهوايات المنتجة التي تساعد على اكتشاف الذات
و تنمي المدارك للإرتقاء بها إلى الأفضل و السير بها نحو التفوق
و الإبداع ..
و في غياب تربية دينية سليمة.. و انشغال الوالدين في العمل ،
و توفير مستلزمات الحياة العصرية ، ينشأ شبابنا هائماً بلا قدوة
أو أسرة مترابطة و حتى بلا عقيدة أو أمل في المستقبل ..
فكثير من التجارب حوله تجعله ينظر للغد بمنظار أسود ،خاليا من
كل جديد و بالتالي فهو يظن أن لا جدوى في خوض غمار تجربة
زجت بأصحابها في دوامة البطالة بعد حصولهم على شواهد
جامعية عليا ..
و يظن أن معاناته ستبقى مستمرة أو ربما تزداد عندما تتغير وضعيته
الإجتماعية ، و يصبح منقطعا عن الدراسة لينضم إلى قوافل المعطلين
مع الكثير من المسؤوليات التي تنتظره من أجل تكوين أسرته الجديدة ،
كل ذلك يفكر فيه و هو قابع في مكانه دون أن يحرك ساكنا .. يستهتر بوقته..
ويغامر بطموحاته ..و لا يعمل بجد من أجل ذلك الغد الذي ينتظره و كأنه ينتظر
شيئا جاهزا ينزل عليه من السماء ..
من جهة أخرى فأغلب الشباب يستمد معلوماته عبر وسائل الإعلام
من تلفاز و نت و التي لا تبخل عليه بكل ما يريده .. و بذلك يتشبع بتجارب غيره
الفاشلة التي تحبطه .. وببرامج تفتنه .. ومشاهد تلهب شهواته .. و بالتالي تحد
من قدراته الإنتاجية .. فيختل توازنه و يصيبه الملل و السخط و عدم الرضى من و
عن كل شيء..
و أمام هذه الوضعية تجد بعضهم يبحث عن السعادة في بعض السلوكات
المنحرفة كالخمر و التدخين و بعض المتع الواهية و رغم إدراكهم أنهم
يسبحون ضد التيار إلا أنهم لا يستطيعون العودة إلى سابق عهدهم
و يبقون محصورين في دائرتهم المفرغة في محاولة يائسة منهم للعثور
على سعادتهم المفقودة من خلال إشباع نزواتهم التي لن يجنوا من
ورائها إلا مزيدا من التذمر و الفشل و الاستسلام و الخنوع لوضعية
صنعوها و أصبحوا أسرى لها ..
فالفراغ قاتل لتوجهات الشباب و عائق لتنمية المجتمع لما يسببه
من أمراض اجتماعية ناتجة عن تلك الإنحرافات بكل أشكالها وألوانها ...
و قد يكون الفراغ نعمة كما ورد في الحديث الشريف:
" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة و الفراغ"
إذا تم التحكم فيه ،و استغلاله بطريقة سليمة و مثمرة ، تبدأ بحفاظه
على علاقته الحسنة مع خالقه وارتباطه المتين بتعاليم الدين السمح ،
فعن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي أنه قال:
اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك،
وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك
(الحاكم والبيهقي وصححه الألباني.)
و عن أبي هريرة قال: قال رسول الله :
سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، و شاب نشأ
في عبادة الله،و رجل قلبه معلق بالمساجد، و رجلان تحابا في الله
اجتمعا عليه و تفرقا عليه، و رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال،
فقال إني أخاف الله عز وجل، و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى
لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، و رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه
(متفق عليه)
ثم العمل الجدي للتحكم في وقت الفراغ واستثماره.. بممارسة
هوايات مفيدة للعقل و الجسم و اكتشاف المواهب و صقلها
و السير بها نحو الإبداع في شتى المجالات ..
و أقرب مثال يحضرني هو :المنتديات الجادة و الهادفة في نهجها
التربوي و التثقيفي التي تطرح عدة أفكار يجب تبنيها و المشاركة
فيها من خلال مناقشات بناءة و كتابات تطور اللغة و تساعد على
التعبير السليم و المفيد و تعلم استعمال البرامج الجيدة و مختلف
الدروس المبسطة التي تعرضها هذه المنتديات أو تلك و التي بدون
شك تساعد على استغلال الوقت في ما يفيد و تطوير القدرات
و صقل المواهب للوصول بها إلى الرقي و الإبداع ..
من جهة أخرى لا ننسى أن الدولة أيضا بما فيها المؤسسات المختصة
و القطاع الخاص و منظمات المجتمع المدني عليها العمل جميعها على
رعاية الشباب و الإهتمام به و بعث روح الأمل فيه من خلال إعداد
استراتيجيات و برامج تهدف إلى تكوين جيل يُعتمد عليه كركيزة لمستقبل
الوطن و إحداث دور الشباب التي تعنى بالمواهب في مختلف المجالات
من أجل صقلها و استثمارها في ما يعود عليهم و على المجتمع بالنفع
و خزانات لتشجيع القراءة و غير ذلك ..
و مع كل ذلك تظل ظاهرة الفراغ مشكلة أساسية و تفرض نفسها بقوة 
داخل المجتمع الذي عليه أن يواجهها للقضاء عليها خاصة أنها تقف سدا
منيعا أمام طموحات الشباب الذين هم رجال الغد و سواعده القوية
و بالتالي فهي من أهم عوائق التنمية..
و لا يسعنا هنا إلا أن ندعو إخواننا الشباب إلى حسن استغلال أوقات فراغهم
و استثمارها بشكل جيد و فعال وفي ما ينفعهم ..فالمتع زائلة و كما يقال :
"الوقت لص محترف "
فهو يسرق منك زهرة شبابك بما فيها من جمال و قوة ...و في غفلة
بسيطة منك .. لينتهي بك المطاف إلى الحسرة و الأسف على ما فات ،
و ستصل إلى مرحلة تجد أن زملاءك و رفاق الأمس قد حققوا الشيء الكثير..
و حينئد ستندم حيث لا ينفع الندم ..
بكيت عـلى الشــــباب بدمع عيني= فلــم يغن البكــــــاء ولا النحيب
فيا أسفاً أسفـــت عـــــلى شـــباب = نعـاه الشيب والرأس الخضيب
عريت من الشباب وكنت غصناً = كمـا يعرى من الورق القضيب
فيا ليت الشــــــباب يعــــود يوماً = فأخـــبره بما فعــــل المشـــــيب
بقلــم : شــــــــروق